لماذا نظلم الملتزم بجريرة المتظاهر

 


مقال: فخ التعميم.. لماذا نظلم "المتديّن" بجريرة "المتظاهر"؟


من الظواهر الاجتماعية المؤرقة، تلك النظرة القاصرة التي تربط المظهر الديني (كاللحية أو النقاب) بالكمال الأخلاقي المطلق. وحين يصدر خطأ بشري من أحدهم، يسارع المجتمع لإطلاق "قاعدة التعميم" الجائرة: (كل الملتحين مخادعون، وكل المنقبات متصنعات). وهذا الحكم ليس فقط مجافياً للحقيقة، بل هو ظلم بيّن يخلط الأوراق ويشوه الجوهر.
تصنيف أحوال الناس (مثلث التعامل مع السمت الديني)
لا يمكننا وضع الجميع في سلة واحدة؛ فالناس تجاه الالتزام الديني ثلاثة أصناف:
* الصنف الأول: (الملتزم شكلياً):
   هو من اتخذ السنة أو الفريضة (كاللحية أو الحجاب) مجرد عادة اجتماعية، أو مسايرة للموضة، أو حتى ستاراً لأغراض شخصية. هذا الصنف هو المصدر الأساسي لسمعة "التعميم" السيئة؛ لأن أخلاقه وتصرفاته (من كذب أو غش أو سوء خلق) تتصادم بشكل صارخ مع وقار مظهره.
* الصنف الثاني: (الملتزم المجاهد):
   هو شخص يعلم قدر الفريضة والسنة ويحاول التمسك بها طاعةً لله، لكنه في النهاية "بشر". قد تغلبه نفسه، وقد تصدر منه هفوات أو أخطاء نتيجة نقص في الوعي أو ضعف بشري، لكنه لا يقصد الإساءة للدين بمظهره.
* الصنف الثالث: (الملتزم قدوةً):
   وهو الصنف الذي يطابق قوله فعله، ويتمثل أخلاق النبي ﷺ حقيقةً. هذا الصنف هو "المظلوم الأكبر"؛ لأنه يُحاكم ويُهاجم بناءً على أخطاء الصنف الأول، ويتحمل عبء أحكام مسبقة لم يرتكبها.
براهين وأدلة ضد "قاعدة التعميم"
لماذا يعتبر التعميم خطأً فادحاً؟ إليك الأدلة:
* الدليل الشرعي (فردية المسؤولية):
   يقول الله تعالى في القرآن الكريم: ((وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)). الدين يقرر أن كل إنسان يحاسب على فعله وحده. فخطأ (شخص ملتحٍ) لا يسقط شرعية (اللحية)، وسوء خلق (منقبة) لا يعيب (النقاب). نحن نحاكم "الأفراد" لا "المناهج".
* الدليل المنطقي (فساد القياس):
   من الخطأ منطقياً تعميم حكم على مجموعة ضخمة بناءً على عينة عشوائية فاسدة. فكما لا نحكم على كل الأطباء بالفشل لمجرد وجود طبيب مهمل، لا يجوز شرعاً ولا عقلاً الحكم على كل الملتزمين لمجرد رؤية "متظاهر" بالالتزام.
* طبيعة النفس البشرية (العصمة للأنبياء فقط):
   يقول النبي ﷺ: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ". الالتزام بالهدي الظاهر ليس إعلاناً بالوصول إلى مرتبة "الملائكية"، بل هو محاولة للسير في طريق الصلاح. فالخطأ وارد، والتعميم الذي يلغي إنسانية البشر ويطالبهم بالكمال المطلق هو تعميم غير واقعي.
الخاتمة
إن قاعدة التعميم هي وسيلة "العقل الكسول" الذي لا يريد إنصاف الناس وتبيان الحقائق. فلنكن أكثر وعياً، ولنفصل بين (قدسية المنهج) وبين (أخطاء البشر).
لا تعمم.. فكلنا مختلفون، ولكل امرئ ما نوى.

محمدعزت 

تعليقات